السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )

17

مصنفات مير داماد

أليس أنه إذا تسرمد بعض المجعولات دون بعض ، كان للجاعل الحقّ إفاضة ذاك ، إذ ليست له إفاضة ذا ، وإلّا فقد تخلّف المفاض عن الإفاضة ، ثمّ قد لحقته إفاضة ذا أيضا . « 1 » فإذن تجتمع فيه إفاضتان متقرّرتان على السّبق واللّحوق ، فيكون تقرّر الإفاضة على التّسابق والتّلاحق ، فيلزم انفصام تلك الأحكام ، بل انهدامها [ 11 ب ] بالمرّة ف « يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ » ( آل عمران ، 71 ) . تنبيه ( 16 - الزّمانيّ دهريّ ولا عكس )

--> ( 1 ) . قوله : « ثمّ قد لحقته إفاضة ذا أيضا » . أي : كما كانت إفاضة ذاك وحدها حاصلة له أولا ، فقد حصلت له إفاضة ذا أيضا أخيرا . فالإفاضتان المجتمعتان أخيرا محكوم عليهما بالسبق واللّحوق بحسب الواقع ، فيكون حصول الإفاضة له وتقرّرها فيه على سبيل التسابق والتلاحق بحسب الواقع . وهي من الصفات الثبوتية المتقررة في ذات الموصوف . فإذن يلزم تجدّد وتلاحق في صفاته الثبوتية المتقررة فيه ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا . فإن أوهم : أنّه على تقدير استيعاب الحدوث الدّهرىّ لجملة المعلولات أيضا يحصل له إفاضة الجميع بعد أن لم تكن حاصلة له ، فلا محيص عن التجدّد أصلا . أزيح : أوّلا ، بأنّ السلب حقيقته الانتفاء لا شيء يعبّر عنه بالانتفاء ، فليس سلب الإفاضة هناك شيئا يعتبر تجدّد الإفاضة ولحوقها بعده . وثانيا ، بأنّ سلب شيء عن شيء يفتقر إلى ثبوت مسلوب ومسلوب عنه يتقدمانه ، وليس يكفى فيه ثبوت المسلوب عنه فقط . وكذلك إضافة شيء إلى شيء واتّصاف شيء بشيء فهذه أمور لا تتحقّق عند وجود شيء واحد لا غير ، بل يستدعى وجود أشياء فوق واحد يتقدمها . وسيتلى عليك في مسألة : « الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد » إن شاء اللّه تعالى . فإذ كان الجاعل الحقّ سبحانه موجودا لا غير لم يتحقق سلب شيء عنه أصلا . ثمّ إنه جعل جملة المجعولات وأفاضها في وعاء الدّهر مرة واحدة دهرية . فصدق عقد الوجود عليها جملة بالإطلاق العام الدّهرى . فأين هناك وضعان يحكم عليهما بالسبق واللحوق ، وعلى القدر المشترك بينهما بالحصول على التسابق والتلاحق . وذلك هو الذي يعتبر عنه عندهم بالتغيّر والتبدّل . وثالثا ، بأنّ وجود المجعولات قاطبة على ذلك التقدير يقع في وعاء الدّهر بدلا عن العدم المطلق وفي حيّزه ، لا في حدّ متأخر عن حدّه ، على ما قد تعرفت سالفا . فحينئذ مع صدق الحكم بالإفاضة ليس يبقى الحكم بالإفاضة أصلا ولا بالإطلاق العامّ حتى يتصوّر هناك تجدّد وتلاحق ، ولا كذلك تسرمد بعض المجعولات دون بعض ، فإنّه يستوجب أن يكون تقرر الإفاضة في ذات المفيض الحقّ ، وهي من صفاته الثبوتية المتقررة فيه على سبيل التجدد والتلاحق بتّة ، وهو خلف محال وفاقا . وبالجملة ، الفرق بين صورتي استيعاب الحدوث الدّهرىّ لجملة الجائزات واختصاصه بالبعض قد استبان سبيله غير مرّة . وانما الذي قد بقي للوهم عليه سلطان هو أن يسأل : أنّه لم لم يفض المجعولات على السّرمدية . فيجاب : بأنّ ذلك ليس من تلقاء الجاعل ، بل إنه من نقصان ماهيّة المجعول ، وسينكشف عليك من ذي قبل ان شاء اللّه تعالى ( منه دام ظله ) .